تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x
كونوا مثلي لنكون مثلهم
قصة نجاح

يا صغيري المتوسد فؤادي والمتدثر بروحي، ألف حمدٍ لله الذي وهبنيك لتضيء ليلي كمجرة من النجوم المتلألئة.

الآن ينبغي لي المغادرة إلى العمل، سأطبع قبلة حانية على جبينك الغض قبل أن أتركك في حضن أمك؛ لعلك تخبرني حين تكبر قليلا كيف هو طعم حضن الأم الذي لم يتسنَّ لي أن أهنأ به ولو قليلا.

أغلقت ورائي باب بيتي الفخم الذي بفضل الله تيسر لي اقتناؤه مؤخرا. هذا الصباح منذ بدايته مترع بالبرد الشديد، وصوت الرياح يزأر معلنا مجيء زمهريرٍ يستعصي على الكثيرين احتماله. برد الرياض يأبى أن يمر مرور الكرام فيجعل الأسنان تصطك، والأنوف تسيل، والأجساد مدمنة للارتعاش اللاإرادي طلبا للدفء. لا بأس، حين أدير محرك سيارتي الفارهة وأضبط مكيف هوائها على التدفئة المنخفضة سيولي هذا البرد الأدبار.

الشوارع التي أقصدها في طريقي من منزلي إلى العمل تكون غير مكتظة في مثل هذا الوقت الباكر؛ لكنها اليوم على غير المعتاد شديدة الازدحام. ربع ساعة مرت وسيارتي لم تتحرك إلى الأمام قيد أُنْمُلة. بدأ بعض السائقين يفقدون أعصابهم فأطلقوا العنان لأبواق سياراتهم لتنشر الضوضاء دونما توقف. أمّا أنا فحالي مختلف تماما، ليس بوسع أشياء مثل هذه أن تعكِّر صفوي أو ترهقني. فروحي وجسدي مليئان بالحيوية والنشاط والطاقة الإيجابية رغم أني لم أنم ليلة البارحة سوى سويعاتٍ قليلة. كيف يجد التعب وضيق الصدر سبيلاً إلى من اعتاد صلاة الليل للتلذذ بالوقوف بين يدي بديع السموات والأرضين؟ وكيف يمكن لعاديات الأيام أن تنال من هِمّةِ من يداوم على الاستغفار؟

بعد أن حققت في العمل نجاحات متتالية. كثيرون فاجأهم أن شابا في سني تتم ترقيته إلى مرتبة مدير في هذا المرفق الحيوي المهم جدا.

سمعت احد الزملاء العاملين في إدارتي يهمس في أذن زميل له، في ما يشبه اغتيابي في حضوري.

- أنا محتار جدا بشأن هذا المهندس!. كيف أصبح مديرا وهو بعد في هذا العمر الصغير؟

فرد عليه الآخر:

- الموضوع واضح تماما. من المؤكد أن هذا الشاب لديه واسطة قوية جدا.

- لكن الحق يقال، هو كفء ومتميز .

- وأنا أيضا أشهد على ذلك.

- أنا أكبر منه بعشرين سنة على الأقل، لكني راض بأن يكون مديري، كل يوم استفيد منه ومن علمه. وأخلاقه أيضا لا تقل روعة عن علمه. والله إن الواسطة التي جلبته لنا واسطة خير.

لا أملك سوى أن أبتسم. هما لا يعلمان أنني لم تكن لي واسطة من الناس في أيٍّ من مراحل حياتي. واسطتي الوحيدة التي كنت – وما زلت – أعتمد عليها في كافة شؤوني هي الاعتماد على الله ثم الاجتهاد والعزيمة والسعي للنجاح.

«طفولتي كانت مختلفة جدا عن طفولة الآخرين.»

بهذه الإجابة كنت أنهي الحوار عندما يسألني أحدهم عن حياتي الباكرة.

كنت أريد ألا أعود بذاكرتي إلى أيام كان الوجع فيها يسكن عيوني ويستوطنهما.

  • ذلك قبل أن أمسك بزمام حياتي، وأعزم على أن أناضل بكل قواي لأبني حياة تستحق أن أزهو بها.

مباشرة عقب فراغي من المرحلة الثانوية، عملت مُعَقِّبًا لصالح إحدى المؤسسات الصغيرة. كان راتبي الشهري لا يبلغ ألفي ريال. وكان عملي يقتضي أن أسارع بعد صلاة الفجر مباشرة إلى الدوائر الحكومية لأحظى بمكانٍ متقدم في الصفوف الأمامية لأنجز أعمال المؤسسة. أتذكر البرد القارس صباحا الذي ألفته وألفني، ولا أنسى لفح حر الظهيرة الملتهب.

أخيرا انسابت حركة المرور وتحركت السيارات. وصلت إلى مقر عملي متأخرا نصف ساعة عن موعدي المعتاد؛ لكنني رغم ذلك كنت أول الواصلين في إدارتي.

جلست على مقعدي الوثير في مكتبي الكبير، تذكرت ما مررت به من محطات صعبة قبل ارتقائي هذا المنصب الكبير. مرت ذاكرتي ببداياتي كمعقب ثم عرجت بي الذاكرة على محطات أخرى لا تقل صعوبة. عانيت كثيرا قبل أن ييسر لي الله نيل الموافقة لأجل الالتحاق ببرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث في إحدى أكبر الجامعات في أستراليا لدراسة الهندسة. في تلك اللحظة عاهدت نفسي على أن أبذل أقصى ما أستطيع لتحقيق التفوق، وأن ألتزم بتعاليم ديني دائما لأكون قدوة ونموذجا مشرفا للشاب ذي الهمة العالية والطموح المتقد.

عدت إلى وطني بعد أن تخرجت بتفوق، وعملت على إثر ذلك في شركة مرموقة. وكانت جهودي المميزة كافية لأثبت للجميع خلال أشهر قليلة أنني أستحق مكافآت التميز والترقية الاستثنائية.

جاءني السكرتير حاملا البريد اليومي. انهمكت في مراجعة التقارير وإعطاء التعليمات. وقمت بتوجيهه إلى دعوة مجموعة من الموظفين لأناقشهم بشأن سير الأعمال.

خرجت من العمل بعد صلاة العصر. وبقدر ما كان بي من التعب، كنت مليئا بالراحة والسعادة بفضل ما حققناه من إنجازات هي قطعا للمنفعة العامة لأبناء الوطن.

جسدي متعب جدا؛ غير أن لديّ موعد ليس بمقدوري أن أخلفه.

أوقفت سيارتي أمام بوابة ذلك المجمع. وبعد لحظات كنت في مكتب مدير المجمع الذي رحب بي بحرارة بالغة. قبل أن يحدق في عيني ويسألني:

- أما زلت راغبا في أن تقوم بهذا يا مهندس!؟

- نعم يا أستاذ عبدالله. لا بد لي من ذلك، لأجلي .. ولأجلهم.

قلتها بنبرة واثقة، ثم خرجنا كلينا إلى القاعة الكبيرة التي كانت مكتظة بالحاضرين ممن هم في مرحلتي الطفولة والمراهقة.

على مقعد المحاضر جلست قبل أن أبتسم للحاضرين وأحييهم.

قمت بتعريفهم باسمي ومنصبي الحالي. وحكيت لهم عن إنجازاتي ونجاحاتي، وأخبرتهم عن طموحاتي الكبيرة على المستويات الشخصية والأسرية والمجتمعية.

أجلت النظر في عيونهم المملوءة بالوجع العميق. كان وجعهم كبيرا. هذا الوجع الكبير أعرفه جيدا؛ فقد كان أيضا يسكن عيوني ويستوطنها.

- إخوتي الصغار، أنتم مجهولو الأبوين. نعم هذه حقيقة مريرة. وعيتم على الدنيا ولم تجدوا أبا يحتويكم ولا أما ترتمون في حضنها لتجدوا الحنان وتنعموا بالأمان.

بعض الدموع بدأت في مغادرة المآقي.

- هذا قدركم وهذه مشيئة الله لكم، وليس بالمستطاع تغيير شيء حيالها. لكن يمكنكم فعل الكثير لتغيير واقعكم ومستقبلكم. ولتكن البداية الآن. ابدأوا بطرد هذا الوجع من عيونكم.

قاطعني فجأة صوتٌ غاضبٌ من الصفوف الخلفية:

- اتركنا لحزننا واخرج فورا من دار الرعاية هذه. لقد سئمنا من الذين يأتون ليلقوا علينا محاضراتهم المكررة عن الصبر والتحمل والمستقبل وهم لم يذوقوا الألم الذي نعيشه. اُخرج من هنا فأنت مثلهم.

أطرقت بنظري إلى الأرض وآثرت أن أصمت قليلا. طال صمتي أكثر مما أردت. وبعد جهد رفعت رأسي ونظرت إليهم بكل احتواء الأب وحنان الأم.

- يا صغاري، لا تحنو رؤوسكم لغير الله. ارفعوا رؤوسكم عاليا .. مثلي. يا صغاري، أنا لست مثلهم؛ بل أنا .. مثلكم. أنا مثلكم .. فكونوا مثلي لنكون مثلهم.